الصفحة الرئيسية كتّاب كتب وبحوث منتديات English Forums البومات وصور
صوتيات ومرئيات أدوات العبادة مراكز اسلامية لائحة الملتقى شروط النشر إرسل مقالك سجل الزوار إتصل بنا
مسجد أهل البيت صدنوق دعم الأيتام والمحتاجين مدرسة الغدير العربية الفقه والتساؤلات الشرعية مواقيت الصلاة كتب ومطبوعات أخرى

ملتقى الشيعة الأسترالي - ASGP » الأقسام » الشيخ عباس أحمد شحادي


القسم الشيخ عباس أحمد شحادي نشر بتأريخ: 16 /05 /2010 م 01:18 مساء
  
الإجهاض بين العلم والإيمان

وفي سورة الإسراء: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ( [2].

كمقدمة حول عنوان هذا العدد من مجلة الهادي  «الإجهاض بين العلم والدين» نشير إلى أن ما يتوهم عادة ويردد على الألسنة من التناقض بين العلم والدين إنما هو في الحقيقة بين الإنسان ونفسه وعلومه المجردة من بعدها الإنساني التي لم تستطع أن تنقذ الإنسان من مشكلات إفلاسه الروحي، فليس التناقض بين قيم العلم وقيم الدين، إذ هي واحدة في جذورها إذ كلما ازداد الإنسان علماً، كلما ازداد إيماناً، ولذلك فإن الله سبحانه ربط الإيمان بالفكر والقلب، ولم يجعل الفكر تجريدياً، بل أراد لنا ان نتفكر في خلق السموات والأرض، لنكتشف طرق السموات والأرض، وأن نفكر في أنفسنا لنكتشف سرّ أنفسنا. ولذلك اعتبر القرآن أن مشكلة الكفر هي مشكلة الجهل. فثمة فرق بين أن تردد العلم بلسانك وبين أن تعيشه بكيانك ووجدانك.

ومن هنا نعتقد أن سلسلة الأزمات الأخلاقية والروحية التي يعاني منها إنسان اليوم إنما كانت نتيجة طبيعية عن عدم الاستجابة الفعلية الصادقة لنداء العلم والدين، كجناحين يحلق بهما في الأفق الأرحب والذروة العليا لحياة الإنسان وكرامته وسعادته...

وسر ما في الآيتين المتقدمتين يجتذبنا إلى فهم قداسة الحياة واعتبار حياة الفرد وإن كان جنيناً حياة للجماعة الإنسانية، واعتبار جريمة قتل النفس الواحدة جريمة قتلٍ للناس جميعاً.

وشيء ما في الآيتين يشدنا إلى فهم جدل العلاقة بين الحياة والكرامة والسعادة البشرية. فالإسلام في ضوء مذهب أهل البيت^ يعطي للإنسان صفة الإنسانية بمقدار ما يحافظ على هذه العناصر الثلاثة، كما ينتزع منه هذه الصفة عندما يفرّط بأهم عناصر الوجود الكريم لأي فرد بشري سواء كان ذكراً أم أنثى، صغيراً أم كبيراً، مولوداً أم جنيناً.

ومن مفاهيمنا القرآنية الثابتة أن أصل الدعوة الإلهية التي أجراها الله سبحانه على ألسنة أنبيائه الكرام إنما تمحورت في تنزلاتها حول ثلاث قضايا أساسية وهي الحياة، الكرامة، السعادة، بل حتى ما يجري في عالم الآخرة وواقع التصنيف في تلك النشأة ومحاسبة الخلق ومبدأ المثوبة والعقوبة والجنة والنار على اختلاف الدرجات والدركات إنما يجري بحسب إلتزام الإنسان بدعوة السماء وارتباطه بها ومراعاته لها وبحسب ما يختاره من المناهج والسبل وبمقدار اهتمامه بقضايا الحياة والكرامة والسعادة وسعيه الجاد لأن يكون حياً وكريماً وسعيداً أو عدم سعيه لذلك.

فالقرآن الكريم يشير إلى أن الاستجابة لدعوة الأنبياء^ والالتزام بنداءات السماء يمثل الحياة الحقيقية بالنسبة للإنسان بحيث يكون ميتاً إذا كان خارج هذه الدائرة وبالتالي فلا معنى لسعادته حال موته باعتباره خارج دائرة الجذب الإلهي.

وذلك قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ( [3].

وبمقدار ما تجسد منظومة الأحكام والقوانين الإلهية معنًى حقيقياً لحياة الإنسان، كذلك توفر له عناصر الكرامة وشروطها كركيزة أساسية للسعادة البشرية في الحياة فمن دون تجسيدات قضية الكرامة وانعكاساتها في الواقع الإنساني لا معنى لأي سعادة على الإطلاق، وذلك قوله تعالى: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم( [4].

من هذه المقدمة نظل على موضوع البحث (الإجهاض) من خلال ثلاثة محاور:

-     المحور الأول: نعمة التوالد والتناسل، نظرة تاريخية عامة:

إن من أعظم المنن التي أنعم الله بها على الإنسان، نعمة الولد، وهي زينة إنسانية رائعة، ترسم في الوجدان البشري عند كل جيل ألوان الحياة بكل أطيافها. وذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: )الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا( [5].

)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ( [6].

) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً( [7].

) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً( [8].

والنصوص الدينية التي تحث على الزواج والتناسل كثيرة جداً. وقد دعا الأنبياء(ع) ربهم أن يرزقهم بالذرية الصالحة. وكان من أدب الدعاء القرآني دعاء زكريا(ع) )قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ([9].

ومن دعائه أيضاً بحسب النص القرآني: )قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً# وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً# يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً( [10].

وكان من دعاء المؤمنين: )رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ([11].

ومن دعاء المؤمن إذا بلغ أربعين سنة: )قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ([12].

وجاء في سفر التكوين قول الرب لآدم وحواء: «كونا مثمرين وتكاثرا على وجه الأرض»[13].

وقد مجّدت أسفار العهد القديم التناسل وباركته وقد أشارت التوراة إلى أن يعقوب وبنيه عندما دخلوا مصر كانوا سبعين فرداً. وعندما خرجوا منها في عهد موسى، كان الرجال منهم القادرون على حمل السلاح أكثر من ستمائة ألف رجل بحسب سفر الخروج[14].

ورغم أن النصرانية مجّدت الرهبنة واعتبرتها قمة الحياة الروحية، إلاّ أنها في مرحلة تالية مجّدت التناسل عن طريق الزواج واعتبرته واجباً دينياً، وأن أي تحديد للنسل يعتبر مصادماً للعقيدة النصرانية[15].

وكانت الكنيسة تعتبر كل وسائل منع الحمل محرمة، كما أنها كانت تعاقب كل من اشترك في عملية إجهاض بالإعدام، وقد ظلت تلك القوانين سارية في أوروبا حتى القرن السابع عشر الميلادي بحسب ما ورد في دائرة المعارف البريطانية[16].

وقد اعتبر بعضهم أن تقديم اللذة الجنسية على غرض التوالد في الزواج نوعاً من الزنا كما فعل راعي كنيسة كانتربري.

وبصورة عامة كان الأوروبيون في العصور الوسطى مؤيدين بقوة لحركة زيادة النسل وخاصة بعد أن بدأت الحروب[17].

ولا تزال الكنيسة الكاثوليكية والقبطية والأرثوذكسية تعارض استخدام وسائل منع الحمل – ما عدا التنظيم الفسيولوجي أي عدم مقاربة الزوجة أيام الخصوبة- كما أنها تعارض بشدة الإجهاض إلاّ إذا تعرضت حياة الحامل للخطر.

وأما الإسلام، فإنه من الواضح بصورة لا تقبل الشك والجدل، من ملاحظة مجموع النصوص والموروثات الإسلامية الواردة في شأن الزواج والأسرة، أن الإسلام قد عالج هذه المسألة الهامة وأنشأ لها نظاماً من الآداب والتشريعات وقد رفض الإسلام بصورة حاسمة المبدأ الذي يعتبر العلاقة الجنسية شراً ورجساً، فاعتبر العلاقة أمراً مقدساً، ودعا الناس إلى التناسل وتكوين الأسرة بهذه الدعوة الجميلة:

)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً( [18].

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».

وفي رواية عن الإمام أمير المؤمنين× أنه قال: «تزوجوا؛ فإن التزويج سنة رسول الله ‘، فإنه كان يقول: من كان يحب أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج، واطلبوا الولد فإني مكاثر بكم الأمم غداً، وتوقوا على أولادكم من لبن البغي من النساء، والمجنونة، فإن اللبن يعدي»[19].

في الحديث الشريف عن رسول الله‘ قال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء»[20].

وقال‘: «أيها الناس تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وخير النساء الودود الولود، ولا تنكحوا الحمقاء فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع»[21].

وقال‘: «ألا أخبركم بخير نسائكم من أهل الجنة الولود الودود على زوجها..»[22].

وقال‘: «تناكحوا، تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط»[23].

وقال‘: «إن خير نسائكم الولود الودود، العفيفة العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة مع زوجها..»[24].

عن الإمام الرضا×: «إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً لم يمته حتى يريه الخلف»[25].

وقال‘: «ذروا الحسناء العقيم وعليكم بالسوداء الولود فإني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط»[26].

عن أبي عبد الله× قال: «قال رسول الله‘: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم غداً في القيامة، حتى أن السقط ليجيء محبنطياً على باب الجنة فيقال له: أدخل الجنة، فيقول: لا حتى يدخل أبواي قبلي»[27].

عن أبي عبد الله× قال: «زوجوا الأحمق ولا تزوجوا الحمقاء؛ فإن الأحمق ينجب والحمقاء لا تنجب»[28].

عن النبي‘ قال: «حصير ملفوف في زاوية البيت خير من امرأة عقيم»[29].

عن النبي‘ قال: «شوهاء ولود خير من حسناء عقيم»[30].

عن رسول الله‘ أنه نهى عن الترهّب وقال: «لا رهبانية في الإسلام، تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم»[31].

عن رسول الله‘ قال: «لا تزوجن عجوزاً ولا عاقراً فإني مكاثر بكم يوم القيامة»[32].

عن موسى بن جعفر عن آبائه× قال: «قال رسول الله‘: «لا تزوجوا الحسناء الجميلة العاقرة، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة»[33].

عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله× قال: «لما لقي يوسف× أخاه قال: يا أخي كيف استطعت أن تزوج النساء بعدي؟ فقال: إن أبي أمرني، فقال: إن استطعت أن تكون لك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فافعل»[34].

وعنه‘ أنه قال: «ولمولود في أمتي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس»[35].

وعن أبي أُمامة عن رسول الله‘ أنه قال: «أربعة يلعنهم الله من فوق عرشه ويؤمنون الملائكة: رجل يتحفّظ نفسه ولا يتزوج ولا جارية له كيلا يكون له ولد»[36].

عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله×: «الحديث الذي يرويه الناس حقّ أن رجلاً أتى النبي‘ فشكا إليه الحاجة فأمره بالتزويج ففعل ثم أتاه فشكا إليه الحاجة فأمره بالتزويج حتى أمره ثلاث مرات؟ فقال أبو عبد الله×: هو حق، ثم قال الرزق مع النساء والعيال»[37].

قال×: «إن الله يحب عبده الفقير المتعفف ذا العيال»[38].

عن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله×: «إن صاحبتي هلكت، وكانت لي موافقة وقد هممت أن أتزوج، فقال لي: انظر أين تضع نفسك ومن تشركه في مالك وتطلعه دينك وسرك فإن كنت فاعلاً فبكراً تنسب إلى الخير وإلى حسن الخلق واعلم أنهن ثلاث: فامرأة ولود ودود تعين زوجها على دهره لدنياه وآخرته ولا تعين الدهر عليه، وامرأة عقيم لا ذات جمال ولا خلق ولا تعين زوجها على خير، وامرأة صخابة ولاجة همّازة تستقل الكثير ولا تقبل اليسير»[39].

إسماعيل بن عبد الخالق عمن حدثه قال: شكوت إلى أبي عبد الله× قلة ولدي وأنه لا ولد لي فقال لي: «إذا أتيت العراق فتزوج امرأة ولا عليك أن تكون سوءاء، قلت: جعلت فداك وما السوءاء؟ قال: امرأة فيها قبح فإنهن أكثر أولاداً»[40].

عن عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن× قال: «سمعته يقول: عليكم بذوات الأوراك فإنهن أنجب»[41].

عن أبي عبد الله× قال: «قال رسول الله‘: خير نسائكم العفيفة الغلمة»[42].

عن جابر بن عبد الله قال سمعته يقول: قال رسول الله ‘: «ألا أخبركم بشرار نسائكم؟ الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود»[43].

فالنصوص الإسلامية صريحة في أن الغاية الأساسية من تكوين الأسرة هي حفظ النوع البشري عن طريق تلبية الغريزة الجنسية، فالزواج يترتب عليه الإشباع الجنسي، ويترتب على ذلك حفظ النوع عن طريق الإنسال والتوالد، ومن هنا كان الإجهاض محرماً في الإسلام باعتباره جريمة قتل لنفس محترمة.

وقد ورد لدى الأمم جميعاً الحث على التناسل واعتباره نعمة إلهية ففي مصر القديمة كان التناسل والتكاثر ضمن الحياة الزوجية أمراً مقدساً، وكذلك في قوانين مانو الهندية القديمة، والشيء ذاته موجود لدى زرادشت في فارس وكونفشيوس في الصين.

ويتبين في النظرية التاريخية أن الأمم كلها كانت ولا تزال تمجد التناسل لأنه يستجيب للفطرة الداعية إلى المحافظة على بقاء النوع. ورغم أن البشرية بفطرتها تحب النسل وتمجّده وتعمل على صيانته والحفاظ عليه، إلاّ أن البشر بفلسفاتهم الخاصة وتحكيم الهوى والشيطان رأوا في مرحلة مختلفة من تاريخهم أن إستمرار التناسل سؤدي إلى نقص الموارد وأن ذلك سيسبب  الكوارث والمجاعات. وهنا كانت بداية انتشار فكرة تحديد النسل وبعض أساليبه الوحشية التي وصلت إلى حد القتل والإجهاض، باعتبار أن الإجهاض جريمة قتل كاملة لمخلوق كريم ضعيف وبريء.

والملفت في هذا المجال، أن الموقف البشري والوجداني العام، المعارض بقوة للإجهاض والمعروف بذلك تاريخياً، بدأ مع تعاقب الأجيال ومرور الزمن يتجه إلى مزيدٍ من التساهل والتسامح مع هذه الجريمة الفعلية.

فمن الحكم بالإعدام، الذي أعلنه المجمع السادس المنعقد في القسطنطينية في القرن السابع الميلادي. واستمرار ذلك في بعض الدول إلى القرن السادس عشر الميلادي- انجلترا عام 1524، ألمانيا عام 1531، فرنسا عام 1562، وروسيا عام 1649.

إلى أن تطورت هذه الأحكام من الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، ثم إلى السجن مع الغرامة المالية، ثم في الثلاثينيات من القرن العشرين، بدأ التخفيف في هذه الأحكام والسماح بالإجهاض عند توقع الخطر على صحة الأم- بدلاً من الخطر على حياتها- إذا هي استمرت في الحمل، وتطور الأمر بعد ذلك إلى إباحة الإجهاض حسب الطلب ولأسباب اجتماعية بحتة، ولا تزال معركة الإجهاض محتدمة في معظم الدول الأوروبية والأمريكية.

وطبعاً، لم تكن هذه القضية بعيدة عن اليهود الذين لعبوا دوراً كبيراً منذ البداية في نشر أصل فكرة تحديد النسل وترويجه حتى من خلال الإجهاض لدواعي وأغراض دنيئة. تتصل بطبيعة التخطيط لمواجهة التكاثر السكاني في البلاد العربية.

ولا ننسى أن الممرضة مارجريت سانجر التي دعمتها أموال اليهود، قامت عام 1915 بحملات ضخمة لنشر وسائل منع الحمل في الولايات المتحدة، وبدأ اسمها يلمع بعد أن أصدرت مجلة شهرية بعنوان «ثورة المرأة» وفي عام 1916 أنشأت أول عيادة لمنع الحمل في الولايات المتحدة، وكذلك فعلت ماري وير دينيت، وماري ستوبس البريطانية التي دعمتها أموال اليهود ودهاقنة المال وأرباب الصناعة.

 


-     المحور الثاني: تحديد النسل والإجهاض نظرة في التاريخ والحاضر

ليست وسائل تحديد النسل من اختراع الإنسان في العصر الحديث. بل لقد عرفت الأمم المختلفة وسائل متنوعة لتحديد النسل.

وتراوحت هذه الوسائل من قتل المواليد ذكوراً وإناثاً أو الإجهاض أو وسائل كان يعتقد انها تمنع حبل المرأة او تمنع نطفة الرجل من دخول الرحم.

ـ الوسيلة الأولى :قتل الأولاد (Infanticide):

وأبشع هذه الوسائل لا ريب هو قتل الأولاد الذي شاع لدى كثير من القبائل البدائية في أستراليا وغيرها. وكانت الأم أو الأب يتخلصان من المولود بعد الولادة مباشرة أو بفترة وجيزة.. ولم يكن ذلك القتل مقتصراً على البنات دون البنين بل كان يشملهم جميعاً ذكوراً وإناثاً.. وكانت كثير من الأمم تقدم أبناءها وبناتها قرابين للآلهة[44].

ولا تعلم الدوافع لتلك الجريمة على وجه اليقين ولكن يعتقد أنها كانت تعود لأسباب اقتصادية في الغالب الأعم.

أما في أسبرطة فقد كانت التقاليد المتّبعة تفرض على الوالد بأن يختبر وليده الصغير فور ولادته، فإن وجده ضعيفاً أو مريضاً أو مشوهاً بادر بالقضاء عليه[45] وفي بلاد العرب كانت جريمة قتل الأولاد منتشرة لدى بعض القبائل العربية في جاهليتها مثل كنده وربيعة وطي وتميم.

وقد شدّد القرآن الكريم النكير على أولئك الجفاة غلاظ الأكباد الذين يقتلون أولادهم سفهاً بغير علم، خوف الفقر أو نتيجة الفقر أو خوف العار.

قال تعالى: )وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ(. )إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً([46]. وقال تعالى: )وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ([47] ففي خشية الإملاق قدم المولى سبحانه وتعالى رزق الأولاد على آبائهم وأمهاتهم. أما في حالة الإملاق والفقر فقد طمأن برزقهما ثم برزق أولادهما.

وفي هذه الحالات كان القتل يطال البنين والبنات. وإن كان نصيب البنات أكثر لأنهن حسب زعمهم لا يغنين غناء الأبناء في الحرب.. ويصبحن مجالاً للأسر من الأعداء فيكنّ عاراً على الوالدين والقبيلة بأكملها..

ورُوي أن أول قبيلة وأدت البنات من العرب كانت قبيلة ربيعة[48]. ويقال إن السبب في ذلك أن قبيلة أخرى أغارت على قبيلة ربيعة فأسرت من بناتها، فلما وقع الصلح بين القبيلتين، رفضت بنت أمير من أمراء ربيعة العودة إلى أبيها وفضلت العيش مع الرجل الذي سباها وتزوجها... فغضب أبوها لذلك غضباً شديداً وسنّ لقومه قتل البنات ووأدهن فانتشرت العادة في القبائل العربية. ولم يكونوا يستحيون من النساء إلا ما دعت إليه الحاجة.

ولقد ندد القرآن الكريم بموقف الأعراب في جاهليتهم وهم يزدرون البنات قال تعالى: )وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ # يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ( [49].

وقال تعالى: ) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ # بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ( [50].

وكان الرجل يترك ابنته حتى تبلغ السادسة من العمر او نحوها فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر مع الأرض[51].

وكانت الأم إذا عرفت ما فعل زوجها بابنتها الأولى تقوم إذا قربت ولادتها بحفر حفرة. فإذا جاء المخاض وولدت بنتاً ألقتها في الحفرة وأهالت عليها التراب. وجنبتها مشقة القتل بعد أن تكبر وتبلغ السعي...[52].

لهذا كله شدد الإسلام النكير على قتل الأولاد. قال تعالى:)قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ( [53] وأزرى بأولئك الذين يقتلون أولادهم من إملاق أو خشية إملاق أو مخافة العار وكراهية البنات... وجعل بيعة النساء تتضمن أن لا يقتلن أودلاهن. قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( [54].

ورغّب رسول الله‘صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث كثيرة في تربية البنات والإحسان إليهن. وذكر أن من كفل ابنتين وأحسن إليهن كان معه‘ في الجنة وقال: «من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار»[55]. وقال ‘ في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيراً فإنما هنّ عوان عندكم». ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حق». وما زال يوصي بهن حتى في مرض موته عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وقال‘: «ما من مسلم تكون له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبنّ أو يمتن، إلاّ كنّ له حجاباً من النار. فقالت امرأة: وبنتان؟ قال وبنتان».

واختفى وأد البنات وقتل الأولاد من المجتمعات العربية الجاهلية بمجرد ظهور الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب، وإلى الأبد.

ولكن وأد البنات بصورة خاصة استمر في بلاد كثيرة لم تعرف هدى الإسلام ونوره إلى عصور قريبة جداً. بل قل إلى العصر الحديث[56].

فقد استمر وأد البنات في الهند والصين إلى القرن الثامن عشر الميلادي وبدأت القوانين تحاربه ولكنه استمر خفية بعد ذلك.. ثم عاد إلى الظهور بقوة مرة أخرى في عهد ماوتسي تونج في الستينات من القرن العشرين عندما قامت الثورة الثقافية وألزمت الدولة كل أسرة أن لا يكون لها من الأطفال سوى طفل واحد فقط.

وبما أن الآباء والأمهات يرغبون في الذكور أكثر من البنات وخاصة في المناطق الريفية، وبما أن الدولة لا تسمح إلاّ بطفل واحد فقط، كان الوالدان يقومان بقتل الوليدة قبل أن تعلم بها السلطات الحكومية حتى تتاح لهما فرصة الحصول على ولد ذكر في المرة القادم<

- التعليقات: 0

: المشاركة التالية
عودة الى الخلف



'

إضافة تعليق: يرجى مراعاة الموضوعية والذوق واللياقة الادبية اثناء الرد. وتحتفظ الادارة بحق الحذف أو التعديل لكل ما يخالف ذلك. وننوه بأن محتوى التعليقات لا يعبر عن رأي الملتقى أو إدارته باي شكل من الاشكال (الإدارة)

إسم الكاتب :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub  sdz 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 5000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

أخبار أستراليا المحلية

ولاية أسترالية تدعو مواطنيها لتقطيع الفواكه قبل أكلها!

أستراليا: لجنة في مجلس الشيوخ تعتبر داتون مذنبا في قضية المربيات

أستراليا: شرطي وحيد يحرس صحراء سيمبسون
أخبار سابقة...
الفقه والتساؤلات الشرعية | إرسل سؤالك من هنــــا
مختارات منوعة
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
قدر العوران في هذا الزمان. | عبد الجبار الحمدي
عندما تقف الكلمات حائرة | المهندس زيد شحاثة
جماعة عرار تدين السّطو على أعمال أديبات عربيّات من قبل دار نشر صهيونيّة،وتدين السّطو على الأعمال الأ | د. سناء الشعلان
دبابيس من حبر24 | حيدر حسين سويري
المرجعية لا تتخذ قرارا في ظلمات الليل | سامي جواد كاظم
قضية الحسين، هي التي أنقذت البصرة | حيدر حسين سويري
الحدّ الفاصل بين الدِّين و السياسة | عزيز الخزرجي
الحسين بين طلب الحكم وثورة الإصلاح . | رحيم الخالدي
هوس اهواء وتخريف جهلاء حول نهضة الحسين ودحضها بادلة النصوص الإسلامية واليهودية والمسيحية | الحاج هلال آل فخر الدين
السياسة في قاموس العظامة | واثق الجابري
بَغْدَاد.. عبق الماضي وألم الحاضر | المهندس لطيف عبد سالم
اذا كنت من الابرار حتماً ستدخل مجمع الابرار الترفيهي. | كتّاب مشاركون
الصرخة الحسينية / الجزء الأول | عبود مزهر الكرخي
المجالس الحسينية وتأثيراتها المجتمعية | ثامر الحجامي
ايهما اولى منتجع الابرار ام محطة تحلية؟! | خالد الناهي
الموكب | عبد صبري ابو ربيع
سناء الشّعلان تدين السّطو على أعمالها الأدبيّة وأعمال أديبات عربيّات من قبل دار نشر صهيونيّة | د. سناء الشعلان
الأنظمة السياسية من وجهة نظر إجتماعية | حيدر حسين سويري
كل حزبٍ بما لديهم سيهربون ! | أثير الشرع
المزيد في الإرشيف... إنقر هنا
عوائل بحاجة الى دعم: صندوق دعم عوائل الأيتام والمحتاجين
العائلة 257(أيتام) | المرحوم طارق فيصل رو... | عدد الأيتام: 3 | إكفل العائلة
العائلة 82(أيتام) | المرحوم شاكر عطيه ... | عدد الأيتام: 6 | إكفل العائلة
العائلة 124(أيتام) | المرحوم السيد حسين د... | عدد الأيتام: 4 | إكفل العائلة
العائلة 290(أيتام) | المرحوم علي جبار... | عدد الأيتام: 5 | إكفل العائلة
العائلة 276(أيتام) | المرحوم عطية محمد عط... | عدد الأيتام: 3 | إكفل العائلة
يمكن ارسال مساعدة واحدة لعائلة معينة عن طريق ارسال مبلغ مع كتابة رقم العائلة باحدى طرق التبرع ادناه
المزيد من العوائل الغير مكفولة | التقارير الشهرية للصندوق
للتبرع عن طريق البي بال أو الكردت كاردأو الحساب البنكي
Bank: Westpac | Name: Australian Shia Gathering Place Inc | BSB:033284 | ACCOUNT: 281262
واحة بحرانية
تسجيل الدخول | أسم: كلمة المرور:           نسيت كلمة المرور؟

حقوق النشر محفوظة لمؤسسة ملتقى الشيعة الأسترالي