الصفحة الرئيسية كتّاب كتب وبحوث منتديات English Forums البومات وصور
صوتيات ومرئيات أدوات العبادة مراكز اسلامية لائحة الملتقى شروط النشر إرسل مقالك سجل الزوار إتصل بنا
مسجد أهل البيت صدنوق دعم الأيتام والمحتاجين مدرسة الغدير العربية الفقه والتساؤلات الشرعية مواقيت الصلاة كتب ومطبوعات أخرى

ملتقى الشيعة الأسترالي - ASGP » الأقسام » السيد فائق الموسوي


القسم السيد فائق الموسوي نشر بتأريخ: 05 /04 /2010 م 01:35 صباحا
  
رحلة الروح من الولوج الى العروج

 رحلة الروح من الولوج الى العروج

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين .

المقدمة

قال تعالى :(( يا ايتها النفس المطمئنة *ارجعي الى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي  *وأدخلي جنتي )).سورة الفجر :من الاية 27الى30.

وقال تعالى:(( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانسهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون )) ،( الحشر 18).

وفي أمالي الشريف المرتضى ، عن احدى زوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم انها سألته ، متى يعرف الانسان ربه ؟ فقال : اذا عرف نفسه . ج 1، ص274.وفيه أيضا انه صلى الله عليه واله وسلم ، قال: ((أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه))، ج2، ص329. المصدر نفسه.

وقال الامام علي عليه السلام :(( العارف من عرف نفسه فأعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها )).

وعنه عليه السلام ((عجبت لمن ينشد ضالته ، وقد اضل نفسه فلا يطلبها )).

وعنه عليه السلام :(( لاتجهل نفسك فأن الجاهل معرفة نفسه جاهل بكل شيء)).غررالحكم ودررالكلم للعالم ، عبدالواحد الامدي ، عن الامام علي عليه السلام ،نقلا عن كتاب سرح العيون في شرح العيون، لاية الله ،حسن حسن زاده الاملي ،ص10، عيونى مسائل النفس.

و في الكافي باسناده الى ابي بصير ،عن الامام أبي عبد الله الصادق عليه السلام :((ان روح المؤمن لاشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها ))ج1، ص133، نقلا عن الصدر السابق ص10 .

وان المقصود من كلام الامام الصادق عليه السلام، اشد اتصالا بروح الله تعالى ، يعني ان الروح متصل قوامها ووجودها ، بالذات المقدسة اذ لاوجود لها بدونه تعالى ابتداء ولااستمرارا لحظة بعد لحظة بدونه تعالى ، فلا حول ولا قوة الا بالله تعالى ، فتعلق النفس وكل الموجودات بخالقها تعلق دائم مستمر ومتجدد ، فانها لاتبقى بدون هذا التعلق لحظة واحدة في الوجود . فهي عدم محض ، وعلى حد قول اصحاب مدرسة وحدة الوجود ، قولهم : ان الاشياء معدومة بالذات موجودة بالله ، فهي لم تكن وليس لها قابلية الوجود دون الموجد لها وهكذا هو شأن كل الممكنات . ولذلك نقول : لاحول ولاقوة الا بالله . فالنفس  مظهر وتجلي لله تعالى . ولذلك فان معنى الاحاديث المتقدمة ، بأن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، فمن الغريب والمستهجن ان لايعرف الانسان نفسه بالمعرفة الحضورية ، لابالمعرفة التصورية ، فنفس الانسان حاضرة له في أي مكان وزمان ولايمكن له الانفكاك عنها بل هي ،هو، وهو، هي . فليس هناك اثنينية في البين ، فليس هي في جهة دون جهة منه ويشير اليها ، بل انه يشير الى ذاته بذاته، فيقول انا ، واذا عرف الانا كيف لايعرف خالقها وبارئها ، أيكون هو الذي اوجدها  أم غيره ، فأن كان هو فقد كذب على نفسه بالعلم الوجداني ، وان كان غيره فمن هو هذا الغير ، ايكون مخلوقا لاخر أم لا ؟ فأن كان مخلوقا لاخر ، اهل هذا الاخر مخلوقا لاخر ، وهكذا يتسلسل الامر ، وهذا باطل عقلا اذ لابد للسلسلة من ان تنتهي ، وا لاسنظل نعدد الى ما لانهاية ، وهذا مايسمية علماء الكلام والفلاسفة بالتسلسل ، وان كان هذا الخالق لم يكن مخلوقا لاخر فقد ثبت المطلوب . ونحن لسنا بصدد الحديث عن الادلة العقلية لاثبات وجود الخالق جل وعلا .

لقد اخترت هذا  العنوان لهذا البحث وهو رحلة الروح من الولوج الى العروج ، تيمنا بالاية الكريمة : (( انا لله وانا اليه راجعون )) وهي دورة الروح التكاملية لتصل أعلى المقاصد وأرفع السلالم الكمالية ، في تلك الدورة التي تبدأ منها من المحل الاعلى الذي هبطت منه الى نفس المكان بعد ان تطوي تلك الرحلة السامية في دورة كدح وعمل ، قال تعالى(( ياأيها الانسان انك كادح الى ر بككدحافملاقيه)) أي انك ستعود الى حيث نقطة البداية التي انطلقت منها وتواجه ربك فيما عملت وستحاسب وتثاب عليها . فالروح في دورة ستعود بعدها الى بارئها وخالقها الذي من عليها بنعمة الوجود وهي من أكبر النعم ، اذ ان الوجود أشرف من العدم . ومن النعم هي تشريف ذلك الانسان بأن تعلقت الاراادة الالهية بخلقه ، وهذا  التعلق  بالخلق عده بعض العارفين انه  من العنايات الالهية والالطاف التي شمل بها الانسان وهو نوع من التكريم ، فالله تعالى خلق الانسان ليربح عليه الجنة لا أن يعذبه ، فالجنة هي الغاية وهي الاصل أما النار فهي عقوبة رادعة لمن يعصي الاوامر الالهية ويستحق بها العقوبة ، وهي نوع من التخويف للانسان حتى لايسلك طريق العناد والمعصية ويهلك ، لان الرحمة الالهية سبقت الغضب ، وذلك يظهر واضحا في الايات التي ينعت  فيها الله سبحانه وتعالى نفسه ، بأنه غفور رحيم وانه يحب التوابين ، وانه يبدل السيأت حسنات وغيرها من الايات . أما انه قد يسأل البعض وقد سأل هذا السؤال : لماذا خلقنا الله تعالى ؟ وهذا السؤال يسئله الانسان بعد ان جعله الله تعالى انسانا ذا عقل وتفكير وتعبده بذلك العقل والا لما كان ذلك السؤال ، ولما استطاع ان يسأله . وهذه ايضا نعمة من نعم الله تعالى يجب على الانسان ان يشكرها لخالقه . والامر الاخر ان هذا السؤال يرد من انسان محدود المعرفة والعلم ولايمكن له الاحاطة بالمراد الالهي والعلل التي أراد بها الله تعالى من خلقه  ، وهوكما قال سبحانه :(( لايسال عما يفعل وهم يسألون )). الا ان هناك أمور استأناسية يمكن ان يستأنس الانسان بذكرها لعلها تكون العلة المقصود بها خلق الانسان ، وقد

رشحت بها بعض الاحاديث الشريفة . ومنها الحديث القدسي المشهور : ((كنت كنزا مخفيا فخلقت الخلق لكي اعرف )). وهذه المعرفة لاتغني شيأ لله تعالى ، ولكنه مظهرا من مظاهره ، وتجليا من تجلياته ، ومن تلك الامور :

1-   ان من صفات الله تعالى انه خالق ، كما ان من صفاته الرحمة ، فلابد للخالق من ان يخلق وتتعلق ارادته بالخلق فيخلق الانسان وغيره من المحلوقات . وقد اشار الى هذا الموضوع بعض مثبتي وجود الخالق جل شانه بالطرق العقلية من الفلاسفة ، وهي استدلالهم على المؤثر من خلال الاثر وما يسمى بعرفهم بالطريق ( الاني ) ، ومفاد هذا الدليل  هو ان هذه الاثار الوجودية تدل على مؤثر فيها وموجد لها وهو الله تعالى  ، فهم يستدلون على المؤثر من خلال الاثر ، كما استدلت الاعرابية على ذلك بقولها : البعرة تدل على البعير والاثر يدل على المسير ، وهذا الكون يدل على خالق قدير . الا ان هناك فريق اخر وهم العرفاء فلهم طريق اخر في اثبات الخالق جل شأنه ، وهو مايسمى (بدليل الصديقين )، ويسمى فلسفيا بالطريق ( اللمي ) وهو الاستدل بالمؤثر على المؤثر من خلال نفسه وذاته لامن خلال اثاره وتجلياته . فيقولون : بما ان الله تعالى خالق فلابد وان يكون له خلق  فاذا هو موجود ويستدل على ذاته بذاته لامن خلال امر خارجي  .اذا ان خلق الله تعالى لنا لطف ومظهر من مظاهر قدرته جل شأنه ، فلا قيمة لهذا السؤال ، وهو لماذا خلقنا ؟ اذا نحن مخلوقون فماذا يجب علينا ان نفعل ؟ .

 

2-   ان الله تعالى لايسأل عما يفعل لانه هوالرب وهو السيد وهو المكون والمدبر ، قال تعالى ((لايسأل عما يفعل وهم يسألون )) فالانسان بعد ان وجد نفسه مخلوقا لايحق له ان يسأل  هذا السؤال بل عليه ان يسأل ماهو واجبه وعمله بعد الخلق ، ولقد أجابه خالقه بكثير من الاسئلة القرانية ، ومنها قوله تعالى : ((خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا )) فاذا خلق الانسان للبلاء ليعمل أحسن عملا أراده الله تعالى حيث يقول :(( ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلكم تذكرون )) وكثير من الايات ووعده على ذلك جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا وعكسها توعده نارا خالدا فيها ابدا . وقال تعالى :(( ايحسب الانسان ان يترك سدى )) وقال تعالى :(( افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لاترجعون )) فالله تعالى لم يخلق الانسان من دون هدف وغاية ، والا لكان خلقه له عبثا والساحة الالهية المقدسة منزهة عن العبثية ، فالله تعالى لم يخلق الانسان ليعيش ايام في هذه الدنيا مع ذلك التفاوت  في الفقر والغنى والصخة والسقم وغير ذلك من انواع التفاوت الاجتماعي والخلقي ، وغيره ثم تنتهي الحياة ويذهب كل شيء ، فهذا ظلم والله تعالى عادل وساحته منزهة عن الظلم ، فاذا ان الانسان لم يخلق ليموت فقط وينتهي كل شيء بل خلق ليحيا حياة ابدية هي الغاية من الخلق ، وما الموت الا وسيلة لانتقاله الى عالم الخلد وعالم النقاء والطهارة  ثم لينتصف له وينال اجره ، اذ لامجاورة لله تعالى هناك مع الاقذار المادية الدنيوية ، ولذلك فان الله تعالى يبتلي الانسان بأنواع البلاءات رحمة منه بهذا الانسان لاانتقاما منه ، ليرجع اليه كما بدأ أما بمغفرة ذنب أو بازدياد اجر أو ارتفاع درجة ، الا المعاندين  الذين انكروا الربوبية وجحدوا بالله تعالى وعصوا الرسل .

فاذا لابد للانسان ان يسلم للامر الالهي فهو مخلوق شاء أما ابى واعتراضه على كونه مخلوق لايجديه نفعا فما عليه الا ان يسلم بالامر الواقع من انه موجود وعليه تكاليف قادر على ادءها والا لايلومن الا نفسه يوم القيامة وكما اخبر الله سبحانه عنه بقوله :(( قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت )) وهناك قول للامام الصادق عليه السلام مضمونه : (( ان الله تعالى خلقنا واراد بنا شيئا واراد منا شيئا فما بالنا ان ننشغل بما أراده الله بنا عما أراده الله منا )) أي لماذا ننغشل بامور لم يطلبها الله منا  عن امور يطلبها الله تعالى منا . مثل لماذا  خلقنا الله تعالى الله ، لماذا خلق كذا ولم يخلق كذا ؟ وهكذا ، والحال ان الانسان سيموت ويسأل عن كل شيء أراده الله تعالى منه وبينه له من خلال الانبياء والرسل وانزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، قال تعالى : (( انك ميت وانهم ميتون ثم انكم يوم القيامة تبعثون )) فليستعد الانسان لهذا السؤال ما دام الامر بيده قبل ان يخرج منها ويفوت الاوان ولات حين مندم ، وهذا البحث المتواضع هو تذكرة في هذا المجال ، نعيش فيه مع الايات والروايات التي تتحدث عن الروح منشئها وبدايات انطلاقتها ثم موتها وعودتها الى بارئها الى محلها الذي عادت منه ومن الله تعالى نستمد التوفيق ونسأله تعالى ان يجعله خالصا لوجهه ومن باب وذكر فأن الذكرى تنفع المؤمنين .

والانسان ذلك الكائن العجيب الذي سخر الله تعالى له مافي السموات وما في الارض ، اما لمصلحة في الدنيا أو الاخرة في العالم الاخر عالم القداسة والطهارة في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، قال تعالى : (( وفضلنا بني ادم على كثير مما خلقنا تفضيلا )) وقال تعالى ((وكرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر)). وكثير من الايات في هذا المجال . أما الانسان ذلك المركب من نفس هي ذاته وكيانه وبها شرافته وبها يخاطب من قبل الله تعالى ، قال تعالى (( ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي)),(( ولتنظر نفس ماقدمت لغد )) ، ((ونفس وما سواها ...))،((يوم تجد كل نفس ماعملت محظرا ...))، (( كل نفس بما كسبت رهينة )) وكثير من الايات في هذا لمجال ،فنرى النفس هي المخاطبة دون الجسد المادي العنصري الترابي الذي أشار اليه تعالى في ايات كثيرة ، وعندما يذكره تعالى يعطف عليه اما لفظ النفس أو الروح ، وكلاهما بمعنى واحد ، فمثلا قوله تعالى:(( واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) فاعقب سبحانه ذكرالتسوية الطينية ذكر سبحانه الروح وجعل الشرافة لها واضافها الى ذاته المقدسة .

أما الادلة على مغايرة الروح أو النفس عن البدن فكثيرة ، منها ماهو نقلي، من قران كريم وسنة ، ومنها ماهو عقلي ، اما النقلي فأجلى دليل هو الايات الواردة في الموت والتوفي وهو الاستيفاء والاخذ تاما ، في حين نرى  ان الجسم يبقى بمكانه ويدفن في الارض ، اما الروح فانها تصعد الى بارئها . أما الادله العقلية فكثيرة منها ، وأجلاها وأوضحها ، قبول النفس الحالات المتضادة من حزن وفرح في ان واحد ، في حين ان الجسم لايقبل الحرق والجرح الذي يرافقه الالم على الجزء المعطوب مع الراحة ، وكذلك ان الانسان لوقطع منه عضو لايخرج مقدار من الروح بقدر ما يقطع .

الحديث عن عالم الروح يعني الحديث عن كل العوالم التي خلقها الله تبارك وتعالى ، لان اسمى تلك الارواح وأشرفها وأفضلها ، هي روح النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم ، والذي هو علة الوجود وسر كينونته ، ولاجله خلق الله تعالى العالم بافلاكه وأملاكه ، واضحه وغامضه ، أعلاه واسفله .

والانسان هو تلك الروح التي يخاطبها الله تعالى في قوله تعالى: (( ياايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي )) اذا فالمخاطب هو النفس فهي التي انشأها الله تعالى قبل ان يخلق البدن وما البدن الا الة من خلالها تعمل الروح وتترقى الى سلالم كمالها ، فللبدن أحكامه الخاصة كما ان للروح أحكامها الخاصة في الحياة والممات وبعد الموت كذلك
، فالروح لاتموت ولاتفنى منذ ان خلقها الله تعالى ، بل انما تنتقل من عالم الى عالم ، وفي كل عالم من تلك العوالم لها أحكام ولها حالات ، فالروح سبقت في خلقها للبدن كذلك هي تبقى ويبلى البدن بعد الموت الا ان الله تعالى سيعيدها اليه بعد الموت لتبعث به وتحشر به وتتنعم به وتتعاقب به وفي هذا  ، هناك ايات كثيرة ، وسنتعرض ان شاء الله تعالى الى بعض الايات التي تشير الى ذلك ، وسنتعرض ان شاء الله تعالى لموضوع المعاد الجسماني عندما نتحدث عن البعث والنشور ان شاء الله تعالى. وسنترك الحديث التفصيلي الى محله في كل فصل ان شاء الله تعالى  وسنجعل البحث على فصول كل فصل يطول ويقصر حسب الحاجة وسنتجنب الخوض في الابحاث الفلسفية المعقدة والمطولة الا ما نحنتاج اليه كشاهد، واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

الفصل الاول:

     ما هي الروح؟

لتعريف الروح لابد لنا أن نتعرف على الأقوال في الروح ، وما الفرق بينها وبين النفس ، وهل هي نفسها ؟

يكاد أن يكون الأعتقاد لأول وهلة من التبادر أن النفس هي نفسها الروح وكأنهما لفظان مترادفان كالأنسان والبشر ، الا انه سيظهر من خلال التحقيق ان هناك فرق بينهما ، ولقد ورد اللفظان في القران الكريم بنحوين مختلفين ، وكذلك فان استخدامهما يتناول معنيين ، وان استعمل لفظ الروح مرة واحدة مشتركا فاطلق تارة على الأنسان وأخرى على الملائكة وثالثة على الأمر الالهي وسيتضح ذلك من خلال البحث.

وقبل الخوض في ذلك ننبه على اننا سنتجنب الأقوال الفلسفية في النفس والروح  لأن ذلك قد يحول بحثنا الى بحث فلسفي خارج عن اطار بحثنا ، ونحن نريده ان شاء الله تعالى  ان يكون بحثا منسجما مع النصوص الشرعية من قران كريم وسنة نبوية مطهرة ، الا اذا ما أستشهدنا به من خلال أقوال علماؤنا الاعلام الذين غالبا ما يتعرضون لهذه البحوث الفلسفية و اذا ما علمنا ان مدرسة صدر المتالهين العرفانية في الحكمة المتعالية خاضت في هذه الأبحاث وتركت بصماتها على مريديها وظهر ذلك من خلال بحوثهم ومقالاتهم .

الروح كما جاء ذكرها في القران الكريم

لقد ورد ذكر الروح في القران الكريم بأشكال مختلفة ، فذكر الله تبارك وتعالى الروح ونسبها اليه كقوله تعالى :(( ونفخ فيه من روحه)) (1) السجدة 9. وهكذا كلما ذكر الله تعالى الروح نسبها اليه اشارة منه تعالى الى شرافتها وعظمتها فهي نسبة تشريفية ، الا اننا سنفصل بين الاستخدامات التي استخدمها سبحانه في الروح كالتالي :

أولا: الروح الأمري

لقد ذكر الله تعالى الروح الذي يتمثل به الأمر الالهي وهو غير الخلق كما جاء في قوله تعالى :(( لله الخلق والأمر)) فاذا هناك خلق وهناك امر والروح من الامر كما في قوله تعالى : ((روحا من أمرنا)) وكذلك قوله تعالى الروح قل الروح:(( ويسئلونك  عن الروح  قل الروح من أمر ربي)) الاسراء 85 .

لقد يتصور البعض في ان الله تعالى لم يجب عن سؤال من سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم عن الروح . فقال تعالى من امر ر بي ، أي لاتسئلوا هذا السؤال والواقع  ان بعض المفسرين قال ان الله تعالى أجابهم بقوله : قل الروح من أمرربي أي : من جهة الامر لا من جهة الخلق كما ذكرنا. (مراحل الحياة الاخروية السيد صالح الركني ص24).

 

 وهنا يظهر ان الروح تختلف عن الخلق فهي من سنخية أخرى غير العنصر الذي يتم به الخلق ولذلك نرى ان الله تعالى يقول :(( فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعو له ساجدين )) ففصل تعالى بين الخلق الطيني العنصري عن الروح وأشار سبحانه هنا في هذه الأية على غيرية الجسم عن الروح  وهذه ايضا تختلف عما سواها من أنواع الروح فقد نسبها سبحانه لذاته المقدسة ومع ذلك فانه تعالى أثبتها للأنسان والملائكة كما في قوله تعالى :(( فارسلنا اليها روحنا )) مريم 17 . وأثبتها للأنسان كما في قوله تعالى :(( وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا))  الشورى   52 . فنسبها هنا تعالى الى الأنسان، الى غير ذلك فللروح مصداق في الانسان ومصداق في غيره .

الفصل الثاني

     الروح في المحل الاعلى .

ان من أهم الايات التي تتحدث عن الروح في هذا المجال وقبل حلولها في الجسد هي قوله تعالى : (( واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين )) الاعراف : 172.

 وهذه الاية الكريمة تدل دلالة واضحة الى ان المخاطب هي الروح ، وكذلك تدل على خطابها قبل ولوجها البدن ، بدلالة قوله تعالى (( من ظهورهم )) فالظهور كناية عن الاباء ، أي قبل حلول الارواح في الاجساد في بطن الام . اما في بطن الام فهناك أطوار لخلقه كما جاء ذلك في القران الكريم .

الروح أولا ثم ألحق الله تعالى بها البدن في الرتبه والبدن أولا ثم الروح في التركيب .

قال تعالى :(( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى )) ، وقال تعالى :(( فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون )  فبين سبحانه وتعالى أن للروح مع الجسم اتحاد ما، مع البدن ، في هذه الحياة الدنيا فهو هو. ويشير اليه على مافي علل الشرائع مسندا عن عبد الرحمن عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : قلت : لاي علة اذا خرج الروح من الجسد وجد له مسا ، وحيث ركبت لم يعلم به ؟ قال (( لانه نما عليه البدن )) اي صار بينه وبين الجسد علاقة لان علاقة الروح بالبدن علاقة تدبير وملازمة لاعلاقة مجانسة ومشابهة واختلاط .

 ان الانسان مركب من بدن وروح ، وانشأ البدن ثم الروح حلت فيه وان الجسم له شراكة مع الروح في هذه الحياة الدنيا ثم ان الروح ستفارقه وتلتحق به مرة اخرى في عالم اخر ، ولو ان الروح هي جزء البدن لما استطاعة مفارقته ولبليت كما يبلى الجسد وتتلاشى ثم ينشأها الله تعالى كما يننشيء الجسد ويظهر ذلك في قوله تعالى : (( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم الى ربكم ترجعون )) ، فالتوفي اذا للنفس والبقاء في الارض للبدن ، وهذا نراه بالعلم الوجداني  ، أما التحاقها فيما بعد بالجسم كما في قوله تعالى :(( واذا النفوس زوجت )) أي الحقت بالجسم مرة ثانية والجسم هو نفسه الذي فارقته لاغير ، ويرشدنا ذلك قوله تعالى :(( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم )) , وقال تعالى :(( بلى قادرين على ان نسوي بنانه ))وقوله تعالى :(( يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم الى نصب يوفضون )) وهنا المقصود بالخروج من الاجداث للبدن ، والجدث هو القبر ,والروح لاتخرج من القبر ، والبدن لايخرج من القبر وحده بل لابد وان تحل به الروح من جديد. وقال تعالى ((والتفت الساق بالساق الى ربك يومئذ المساق )). والايات في ذلك كثيرة وسنفرد ان شاء الله تعالى ملحقا للايات التي تؤكد المعاد الجسماني والروحي معا من خلال الايات فقط ، وكذلك الصور المادية والمتع للروح والجسم معا ، وذلك ردا لمن نفى ذلك وقال بالمعاد الروحاني فقط أو نفى المتعة الجسدية وقال بالروحانية فقط معللا ذلك بقوله : ان ذلك العالم عالم المجردات وهو من سنخية غير سنخية هذا العالم المادي بل هي أرقى منه ، وسنتجنب الادلة العقلية والفلسفية بل يكون ارتكازنا عل الادلة الشرعية فقط من قران وسنة ، لكون البحث بحثا قرانيا ونقليا . أما الادلة الفلسفية فليس محلها هنا .

 الروح في السنة الشريفة

هناك الكثير من الروايات الشريفة التي تتحدث عن الروح الا اننا سنقتصر على ذكر نماذج منها كي لايكون البحث مطولا ومملا ، بل نقتصر على شواهد لذلك ، ومن تلك الاحاديث الشريفة :

قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : الارواح جنود مجنده ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف.

وهنا اشارة منه صلى الله عليه واله وسلم على أحوال الروح قبل حلولها وتدبيرها الجسد لان التالف والتناكر لايكون في الجنة لان اهل الجنة لاتناكر فيما بينهم ، كما اخبر الله تعالى عن ذلك بقوله : (( ونزعنا ما في قلوبهم من غل اخوانا على سرر متقابلين )) وان من اهم ما ينغص العيش في هذه الدنيا هو الغل والحقد والحسد وما يترتب عليه من اثار اجتماعية خطيرة قد تدمر مجتمعات بأكملها والعياذ بالله .

وكذلك هي اشارة منه صلى الله عليه واله وسلم الى عالم الذر ، والذي هو بمثابة التوطئة لهذا العالم .(كنز العمال 2466)

ومنها : قول الامام علي عليه السلام : المودة تعاطف القلوب في ائتلاف الارواح.( غرر الحكم:2057).

ومنها : قول الامام الصادق عليه السلام :ان الارواح لاتمازج البدن ولا تؤاكله ، وانما هي كلل للبدن محيطة به.

 وعنه عليه السلام : الروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا .(البحار _61-40-11وص34_7). هنا دلالة في قوله عليه السلام : الروح جسم رقيق البس قالبا . فاللابس قبل الملبوس . وكذلك في الحديث الاول اشارة من الامام عليه السلام في قوله بعدم الممازجة الى الغيرية بين البدن والروح ، وفي قوله عليه السلام كلل اشارة الى مايعبر عنه في قول الفلاسفة الى ان الروح هي التي تدبر احوال البدن ولا علاقة ممازجة  للروح فيه . وفي الحديث الثاني , الى ان الكثافة والثخانه للجسم والشفافية والرقة للروح التي هي من سنخ اخر غير سنخ البدن ، اي ان هناك مغايرة بين الاثنين .

وللامام علي عليه السلام قول يفصل فيه احوال البدن واحوال الروح اذ يقول عليه السلام :

ان للجسم ستة احوال : الصحة ، والمرض ، والموت ، والحياة ، والنوم ، واليقضة وكذلك الروح ، فحياتها علمها ، وموتها جهلها ، ومرضها شكها ،  وصحتها يقينها ، ونومها غفلتها ، ويقضتها حفظها .(البحار :61_43_19).

ومن ذلك قول الامام الصادق عليه السلام يشرح فيه أحوال الروح عند النوم ، عندما سأله أبو بصير عن الروح عند النوم ، أخارج عن البدن ؟ قال عليه السلام : لا يا أبا بصير ، فأن الروح اذا فارقت البدن لم تعد اليه ، غير انها بمنزلة عين الشمس مركوزة في السماء في كبدها ، وشعاعها في الدنيا .(جامع الاخبار : 488-1360, نقلا عن كتاب منتخب ميزان الحكمة ص169).

وهنا يمثل الامام تمثيلا دقيقا لعلاقة الروح بالبدن فلاهي جزء منه وليس بعيدة عنه ، فهناك نحو علاقة وهي علاقة التدبير ، ومثالها المعاصر هو ما نراه من ادارة بعض الاجهزه الكهربائية لبعض الالات  والتحكم بها من بعد ، نظير بعض الالات التي تتحرك ب(الريموت ) فلا القوة المحركة جزء من الالة ولا الالة تستغني في حركتها عن ذلك الجهاز المحر ك لها والذي تنطلق منه الذبذبات المحركة .

عن مولانا الامام الكاظم عليه السلام ، قوله :

ان المرء اذا نام فان روح الحيوان باقية في البدن ،  والذي يخرج منه روح العقل .

فاذا ان الروح الحيوانية هي التي تكون من سنخ البدن وهي التي تمازجه ، وهي كذلك وسط بين المادة الكثيفة للبدن و الروح ، وهي التي يعبر عنها الفلاسفة بالروح البخارية  أو الجسم اللطيف ، فكما ان القوة الكهربائية الغير مرئية تتحرك من خلال وسط جيد لحركتها وهو السلك الكهربائي كذلك الروح ، فهي تتحرك بالجسم الكثيف من خلال جسم لطيف يكون بينها وبين كثافة الجسم وغلظته ، وهي كذلك كمدبرة  للجسم ، والروح كذلك قبل التوفي  والامساك عند الله تعالى فهي لم تنفك عن علاقتها بالبدن ، بل مادامت تدبر البدن في مرحلة التوفي ، كما في الاية الكريمة في قوله تعالى :(( الله يتوفي الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قد قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى أجل مسمى)) فعبر تعالى عن الامساك بالموت وعن الاعادة بالارسال ، ومن هنا نعرف من خلال الايات الكريمة والروايات علاقة الروح بالبدن ، والفرق بينهما .

ويذكر السيد العلامة الطباطبائي قدس سره الشريف ، أراء كثيرة في بحثه القراني للروح سنلخص منها مقدار الحاجة في هذا البحث ، ومنها قوله :

((... ثم قال سبحانه :(( فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ))الحجر الاية 29.

فبين ان الروح غير البدن ، وانه انما سكن هذه البنية بالنفخ الرباني ، وهبط اليه من مقامه العلوي )).من كتاب الانسان والعقيدة ص25.

وفي كتاب علل الشرائع مسندا عن عبد الرحمن عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : قلت : لاي علة اذا خرج الروح من الجسد وجد له مسا ، وحيث ركبت لم يعلم به؟ قال: ((لانه نما عليها البدن )). المصدر السابق ص26.

وقال سبحانه تعالى :(( ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والافئدة ))سورة السجدة الاية :9.

وقال تعالى :(( ...والشمس والقمر مسخرات بأمره الاله الخلق والامر تبارك الله رب العالمين))سورة الاعراف, الاية: 54.

فالتسخير والتدبير للامر وبالامر دون الخلق ، وانما الالية والاداتية للخلق ، وهو مجموع عالم الا جسام . هذا ماذكره العلامة الطباطبائي , فهذه هي علاقة الر وح بالبدن ومغايرتها عنه كما ورد في الكتاب والسنة الشريفة مختصرا .

واذا ما تتبعنا قوله تعالى :(( ويسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي )) وقوله تعالى :(( ...فاذا سويته ونفخت فيه روحي)) يظهر الفرق بين الروح والجسد وان الجسد والتسوية من جهة الخلق وان الروح من جهة الامر .

ثم ان الروح الوارد ذكره في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة على أنواع ، قال تعالى :(( ينزل الملائكة بالروح من أمره))النحل 2, وقوله تعالى : (( وهم بأمره يعملون ))الانبياء 27, وقوله تعالى :((نزل به الروح الامين ، على قلبك لتكون من المنذرين ))الشعراء : الايتان 193و194.وقوله تعالى :(( قل نزله روح القدس ))سورة النحل الاية: 102. قال العلامة الطباطبائي، في كتاب الانسان والعقيدة ، معلقا على ذلك : ان الروح ارفع منزلة من الملائكة ، وانه يتحد معهم قائما عليهم ، كما يشير اليه قوله تعالى: (( قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك)) فعبر سبحانه في كلامة تارة  بالروح ، وتارة بجبريل عليه السلام ، وهو يعطي الاتحاد الذي ذكرناه ،  وانت تعلم ان هذا غير الاتحاد والحلول المقدس عنه ساحة الوجود. انتهى كلام العلامة .

وهاتان الايتان هما اللتان حيرتا المفسرين ،  بما هو المقصود بالروح  ؟ هل هو جبرائيل عليه السلام أم خلق اخر ؟ ، كما ذكر ذلك الامام عليه السلام عندما سأل عن ذلك ؟, والكلام ليس محله هنا .

اما في السنة الشريفة ، فقد ورد ذكر الروح كذلك ، ففي كتاب بصائر الدرجات ، مسندا عن الحسن بن ابراهيم ، عن الصادق عليه السلام ، قال : سألته عن علم المعالم ، فقال : (( ان في الانبياء والاوصياء خمسة أرواح : روح البدن ، وروح القدس ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح الايمان . وفي المؤمنين أربعة أواح ( انما فقد روح القدس) : روح البدن ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح الايمان . وفي الكفار ثلاثة أرواح : روح البدن ، وروح القوة ، وروح الشهوة )).

ثم قال عليه السلام : (( وروح الايمان يلازم الجسد ، مالم يرتكب كبيرة ، فاذا ارتكب كبيرة فارقه الروح . ومن سكن فيه روح القدس فانه لايرتكب كبيرة أبدا )) بصائر الدرجات 9_467, الحديث 3.

بهذا القدر نكتفي بالحديث عن الروح وانواعها كما جاء في الحديث الشريف.

 

الروح في نظر الفلاسفة

 وكما شرطنا على انفسنا من اننا لانخوض في الابحاث الفلسفية مناقشة وطرحا للاراء ولكن هذا لايمنعنا من ان نذكر او نستشهد أو نقارن بين الراي الشرعي والعقلي ولو على سبيل العرض ، وعليه فاننا سنعرض راي الفلاسفة فيما يخص الروح فقولهم :(( ان النفس بسيطة غير مركبة من أجزاء ،كي تفسد بالانحلال ، ولاهي عرض قائم بغيره ، كي تذهب بذهاب المحل الذي قامت فيه ، وعرضت له ، وانما هي الحياة بطبيعتها وعليه فلا تكون قابلة للفساد بحال وبكلمة ان النفس ليست كما ولا كيفا ، وانما هي جوهر بسيط قائم بذاته ، وما كان كذلك لايقبل الفساد والانحلال اطلاقا ، فهي اذن خالدة.(فلسفة المبدا والمعادص98 محمدجواد مغنية ).

ويعتمد هذا الدليل على منطق العقل ، والتأمل النظري ، وعليه فلا يكون الايمان بخلود النفس ومفارقتها للبدن ايمانا دينيا شرعيا .

وكذلك يقول الفلاسفة ان المجردات اذا وجدت لاتوجد في موضوع ، وهو الذي يعبرون عنه بالعرض وهو شأن الماديات ، فان وجدت توجد لافي موضوع ، لانها عندئذ تذهب بذهاب الموضوع الذي تعرض عليه  ولان الروح مجردة فهي لاتحل في الجسد كما تحل الاعراض .

ويقول صدر المتالهين في كتاب( المبدأ والمعاد ): ((ان النفس لاتموت بموت البدن لانه لاتعلق ذاتي بينهما ، ولا ارتباط عقلي ، بل معية ومصاحبة ليس الا ، لان أحدهما ليس بعلة حقيقية للاخر ولاهما معلولان لعلة ثالثة فلا يوجب فسادهما فساد الاخر )). نفس المصدر ص98.

والمعلول يعطي للعلة وجودها واستمرار وجودها بعد الايجاد . ولقد ذهب الفلاسفة في تعريف النفس مذاهب كثيرة حتى ذكر الشيخ حسن زاده املي حفظه الله تعالى ، ان البعض قال في النفس ((أربعون قولا )) الا ان المجمع عليه من قبل الفلاسفة لاسيما ، الفلاسفة المسلمون ، ان النفس جوهر مجرد عن المادة الجسمانية وعوارضها على مراتب التجرد ، ولها تعلق بالبدن تعلق تدبير وتصرف ، لاانها ممازجة للروح أو جزءه والا لنقصت عندما ينقص الجسد بنقصان أحد أعضاءه ، والبدن كما يقول الفلاسفة هو مرتبة نازلة منها ، وأعتقد ان هذا القول فيه نوع من المسامحة ، لانه اذا قلنا ان البدن مرتبة نازلة من الروح ، يكون معنى ذلك ان الروح من سنخ البدن والحق خلاف ذلك ولقد ثبت ذلك بالعقل والنقل ،  فان البدن شيء والروح شيء اخر . ونقصد بالروح النفس ، لا كما يقسمها الفلاسفة بالتقسيم الفلسفي ، من كونها ، نباتية وحيوانية وروح العقل ، أو الناطقة كما يصنفها المناطقة . والبحث طويل ، ولانقحم انفسنا في الخوض فيه لانه خارج  عن نطاق بحثنا ، ويكفينا بذلك قول الامام الصادق عليه السلام :(( ان الارواح لاتمازج البدن ولاتؤاكله ، وانما هي اكليل البدن محيطة به )) ولكن لابأس بنقل خلاصة ما قيل في النفس من قبل الفلاسفة . فيقولون :ان الروح بخاري وروح انساني . والروح البخاري هو الحار الغريزي الذي هو الالة النفسانية الاولى ، وهو جسم لطيف ذو مزاج متكون من صفوة الاخلاط ، وهو الطف الاجسام الباقية من اجزاء البدن وأدقها واصفاها . لذلك كان أشد قبولا لافعال النفس من سائر اجزاء البدن .

 ويعتبرون الروح البخاري هو الوسط الذي يكون أكثر ملائمة للنفس الانسانية لكي تتعلق بالبدن وتدبره وان كانت هي غير البدن ، ومثال ذلك ان الطابوق وان كان غير الاسمنت ولايشابهه ، الا انه وسط جيد لان يلتصق به ، وهذا مثل تقريبي لتصور علاقة النفس بالروح البخاري الذي يقول به الفلاسفة . ولكن هذا كله قول لربما لايصمد امام التحقيق ، لانه قول عقلي يستانس به العقل ، أما الواقع عند الله تعالى فيما يتعلق بالروح فعلمه عند الله وحده .

وان بعض الفلاسفة المسلمين الاكابر المشهورين ، قال : بأن الروح جسمانية الحدوث والتصرف ، ومجردة البقاء في الاخرة ، وهذا قول فيه اقوال . ويقصدون بذلك ان الروح  حادثة بحدوث البدن لا انها كانت موجودة قبله .  ومعنى هذا انها لاتحدث الا بحدوثه اي انه ليس لها وجود مجرد قبل وجود البدن كما سبق وان ذكرنا من خلال الروايات الشريفة ، و انها حادثة مع حدوثة ، أي ان حدوثها مصاحبا لحدوث البدن ، ويحتمل هذا القول معنيان : الاول : ان الروح لم تكن ثم كانت مع حدوث البدن ، اي حين ما حدث .والثاني : انها  موجودة بوجود البدن وصحبته بعد حدوثه . ولكن لربما يقصدون الاول والله العالم بما يريدون .

وان أكثر الفلاسفة المسلمين ، من مشائين وغيرهم ، مرورا بمدرسة الاشراق وانتهاء بمدرسة الحكمة المتعالية ، متاثرين بنحو من التأثر بالفلاسفة الاغريق ، من امثال افلاطون وارسطو والمدرسة الاسكندرانية الحديثة ، أو الافلاطونية المحدثة .

فأننا نجد بصمات الفلسفة اليونانية بادية على كثير من المطالب الفلسفية الاسلامية ، لانها ترتكز على اصل واحد  وان استقل الفلاسفة المسلمون بمبادئ تتناسب وعقيدتهم ، الا انهم لاينكرون ما قامت عليه الاصول الفلسفية والتي هي فلسفة الفلاسفة اليونان ، فتبقى الفلسفة ومهما كانت هي نتاج عقلي من نتاج عقول البشر ، وهي بالتالي ليست نصوصا شرعية نتعبد بها تعبدا ، بل انما هي حدود عقلية يمكن للعقل ان يتوصل بها للحقائق ،كباقي العلوم التوصلية التي توصلنا للدليل الشرعي بمعونة العقل  كعلم المنطق وعلم الاصول وعلوم اللغة وغيرها من سائر العلوم التوصلية .  فالعقل عندما يعده الاصوليون مصدرا للتشريع ، لا انه مصدرا مستقلا للتشريع ، لان شرع الله لايصاب بالعقول ، وانما ان العقل هو كاشف للحكم الشرعي لاغير ، لان الله تعالى تعبدنا بالعقل. ولذلك قيل اذا اخذ الله ما وهب أو أوهب اسقط ما أوجب .

  من أين جاءت النفس ؟

هناك روايات كثيرة عن أئمة أهل البت عليهم السلام ، من ان  الارواح جاءت من المحل الاعلى وهي مخلوقة قبل الابدان بالاف السنين ، وهي تؤكد وجود الارواح في عالم الذر ، كما جاء في اية الميثاق ، ومن تلك الروايات ماجاء عن الامام علي عليه السلام والامام الباقر والصادق عليهم السلام ،كما في كتب ، الكافي ، ومعاني الاخبار ، وعلل الشرائع ، وبصائر الدرجات ، وكذلك في الاختصاص عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، قولهم عليهم السلام :

 منها:ان الارواح خلقت قبل الابدان بألفي عام ثم اسكنت الهواء .

ومنها : ان الله خلق الارواح قبل الابدان بالفي عام ثم عرضهم عليها .

ومنها : ان الله خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام ، ثم عرضهم علينا المحب من المبغض .

ومجمل هذه الاحاديث الشريف وغيرها مما يطول المقام بذكرها تدل على أن الارواح :

1-مخلوقة قبل الاجساد .

2- انها لم تكن من سنخ المادة التي خلق منها الجسد ، ولم تكن بينها وبينه سنخية .

لان بعض الفلاسفة المسلمين ذهب عل ان الروح مادية المبدأ مجردة المنتهى ، أي انها خلقت بواسطة  الجسد ثم تجردت والبحث ليس محله هنا ، وهذا يتعارض تمام التعارض مع الايات الكريمة والروايات الشريفة .

 وهناك رواية للعياشي عن زرارة ، قال : قلت لابي جعفر عليه السلام : أرأيت حين اخذ الله الميثاق على الذر في صلب ادم فعرضهم على نفسه ، كانت معايننة منهم له ؟ قال : نعم يازرارة وهم ذر بين يديه ، وأخذ عليهم بذلك الميثاق بالربوبية له ولمحمد صلى الله عليه واله وسلم بالنبوة ، ثم كفل لهم الارزاق ، وانساهم رؤيته ، واثبت في قلوبهم معرفته ، فلا بد ان يخرج الله الى الدنيا كل من اخذ عليه الميثاق ، فمن جحد ما أخذ عليه الميثاق لمحمد صلى الله عليه واله لم ينفعه اقراره لربه بالميثاق ، ومن لم يجحد محمد صلى الله عليه واله نفعه الميثاق لربه .(1) تفسير العياشي ج1ص181, وعنه في البحار ج5ص254.

وان الميثاق الذي اخذه الله تعالى على الناس ، ليس تعبيرا مجازيا ، بل ثبت ذلك في كثير من روايات اهل البيت عليهم السلام ، بعد أن أكده القران الكريم بصريح الايةالشريفة التي ذكرناها  وان اختلف المفسرون في تفسيرها ، وكل شيء جاء عن أهل البيت عليهم السلام بالطرق المعتبرة لايمكن رده وانكاره ، فلعلنا لانعرف مقاصدهم عليهم السلام  لانهم يتكلمون مع أجلة أصحابهم  بلغات مختلفه ، كل على حسب حاله ، لان اصحابهم متفاوتون في الفهم والايمان بكل ما يقولونه عليهم السلام ، ولذلك علينا ترك الخوض في تاويل كلامهم عليهم السلام اذا لم نعرف مغازيه ومقاصده الى الله تعالى ، لان كلامهم عليهم السلام فيه محكم ومتشابه ، وفيه ما ينسخ بعضه بعضا ، وفيه ماقيل في مقام التقية ، وفيه ما قيل في مقام التبيين ، وهكذا فلا ينبغي لنا أن نتقول عليهم .

لقد قرات لاحد الاخوة ممن كتبوا في هذا الموضوع ، تهجمه ونعنته بأقذع النعوت على من قال بأن اية الميثاق لم يكن ليعني بها الله تعالى الارواح في عالم الذر ، قبل خلق الانسان ، والذي يقول بذلك لاعلم له بعلوم الشريعة ،ولامعرفة له باحاديث اهل البيت ، وان مرادهم من كذا ، كذا . وأعتقد أن هذا القول لادليل عليه ، اذ من قال لك ان مرادهم عليهم السلام كذا ولم يكن كذا ، ولقد اختلف علماء الاصول كثيرا في معاني بعض الاحاديث ، وكل رتب الاثر بحسب ما ظهر له من كلامهم عليهم السلام ، ولذلك تجد عندنا أحكاما مختلفة في مسألة واحدة ، ولم يدع أحد من هؤلاء العلماء الاعلام انه اصاب بقوله الواقع ، وان غيره من الفقهاء قد أخطأه ، بل يقولون والله العالم ، والا لما كثر عندنا الفقهاء وأختلفت فتاواهم في المسائل ، فالواقع عند الله تعالى أمر واحد لااختلاف فيه ، وأنما الفقيه يخطأ ويصيب ، ولكن المكلف يكون معذورا في عمله  وهكذا تعبدنا الله تعالى ، ولانريد أن يكون بحثنا بحثا اصوليا.

وكذلك اننا عندما نتشرف بحج بيت الله الحرام ونوفق لاستلام الحجر الاسود ، أونشير اليه من بعيد للازدحام الذي عادة مايكون في المواسم المتأخرة في زماننا هذا  ، نقول هذه العبارة :(أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة ) وهذا ما أطبق عليه المسلمون كافة الا من شذ منهم . وذلك بأن اعتقادنا ان الحجر الاسود كان هو ذلك الملك الذي شهد الميثاق عندما أخذه الله تعالى منا ، وان الامر كان حقيقة ، وكما يتبايع المتبايعان على صفقة ما ، ثم يشهدون على ذلك طرفا ثالثا .

فالملك هو ذلك الطرف الثالث الذي شهد الميثاق . والامر امرا حقيقيا لااعتباريا ، وبما ان الانسان يستأنس بالامور المادية ، فقد حول الله تعالى ذلك الملك شيئا ماديا حتى نحسه ونلمسه  كما ورد في الروايات ، والا لو كان في صورته الملكوتية لما ثبتت العيون لرؤياه .

ثم ان الاخ المؤلف قد أورد شبهة التناسخ على من ادعى ان الارواح مخلوقة قبل الاجسام ، وهذا غريب منه لان شبهة التناسخ تأتي اذا قلنا ان الروح تحل في اكثر من جسد طبيعي بعد الموت في هذه الحياة الدنيا وهذا هو التناسخ الباطل الذي لاتقول به فرق المسلمين ، فأين هذا من ذاك ؟ ونحن لسنا في تحقيق هذه القضية والا لخرجنا عن موضوع البحث ، ولكن جاء هذا الامر استطرادا .

وهناك تعليق على ما ذكر في الرواية والله العالم بذلك ، وهو : ان عقيدتنا بالله تعالى من انه تعالى ، لاتثبت الابصار لرؤيته لافي الدنيا ولا في الاخرة وعندنا في ذلك ايات كريمة وروايات شريفة . ومن الايات الكريمة قوله تعالى لموسى على نبينا واله وعليه السلام عندما طلب منه الرؤيا في قوله تعالى : ((قال ربي ارني انظر اليك قال انك لن تراني )) ان لن تفيد في اللغة  العربية  النفي والتأبيد أي انك لن تراني  أبدا لافي الدنيا ولا في الاخر ة

وكذلك قوله تعالى :(( لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار)) لاكما يزعم البعض ، من ان الله تعالى يمكن رؤية ذاته المقدسة في الاخرة و كما فسروا قوله تعالى : (( وجوه يومئذ ناظرة الى ربها ناضرة )).

فلابد وان تحمل هذه الروايات على التأويل كما تحمل ايات الرؤيا على التأويل أيضا ، ويمكن ان تكون رؤية الارواح غير رؤية الابصار  لان رؤية الروح يمكن ان تكون انطباع حقيقة الذات الالهية المقدسة بتجل من تجلياتها ، كما تجلى سبحنه للجبل فجعله دكا  ولم تثبت عين موسى عليه السلام على الجبل الذي هو محل التجلي  الالهي ، والتجلي والظهور غير الذات المقدسة المنزهة عن المادة وعن كل مايتخيله العقل ويتوهمه،  وكذلك كما تجلى تعالى لموسى  عليه السلام  على الشجرة وكلمه  فكذلك يمكن ان تكون الرؤيا المذكورة في الروايات الشريفة ، والا لايمكن حملها على الرؤيا وان كانت من قبل الروح ، لان الروح وان كان فيها نوع من التجرد النسبي بالنسبة للابدان الا انها تبقى مخلوقة لله تعالى ، حتى على مستوى  اشرف مخلوقات عالم الامكان ، فالله تعالى خالق وما سواه مخلوق مهما علا شأن ذلك المخلوق ، فالكل مربوبا لله جل شأنه .

نزل البحث كاملاً

- التعليقات: 0

: المشاركة التالية
عودة الى الخلف



'

إضافة تعليق: يرجى مراعاة الموضوعية والذوق واللياقة الادبية اثناء الرد. وتحتفظ الادارة بحق الحذف أو التعديل لكل ما يخالف ذلك. وننوه بأن محتوى التعليقات لا يعبر عن رأي الملتقى أو إدارته باي شكل من الاشكال (الإدارة)

إسم الكاتب :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub  sdz 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 5000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

أخبار أستراليا المحلية

قاضٍ أسترالي: سليم مهاجر مغرور ولا يكترث بالقانون

تفاصيل مداهمة الشرطة لمنزل عائلة الإرهابي الصومالي حسن خليف في أستراليا

أستراليا: ما الذي يعاني منه هواة القهوة السادة؟
أخبار سابقة...
الفقه والتساؤلات الشرعية | إرسل سؤالك من هنــــا
مختارات منوعة
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
عوائل بحاجة الى دعم: صندوق دعم عوائل الأيتام والمحتاجين
العائلة 108(محتاجين) | المريضة حميدة صالح ا... | عدد الأطفال: 3 | إكفل العائلة
العائلة 286(محتاجين) | محمد دريول صيوان... | عدد الأطفال: 10 | إكفل العائلة
العائلة 292(أيتام) | المرحوم عذاب محمد... | عدد الأيتام: 5 | إكفل العائلة
العائلة 184(محتاجين) | المريض شهيد صفر... | عدد الأطفال: 5 | إكفل العائلة
العائلة 242(أيتام) | المرحوم نايف شركاط ا... | عدد الأيتام: 5 | إكفل العائلة
يمكن ارسال مساعدة واحدة لعائلة معينة عن طريق ارسال مبلغ مع كتابة رقم العائلة باحدى طرق التبرع ادناه
المزيد من العوائل الغير مكفولة | التقارير الشهرية للصندوق
للتبرع عن طريق البي بال أو الكردت كاردأو الحساب البنكي
Bank: Westpac | Name: Australian Shia Gathering Place Inc | BSB:033284 | ACCOUNT: 281262
واحة بحرانية
تسجيل الدخول | أسم: كلمة المرور:           نسيت كلمة المرور؟

حقوق النشر محفوظة لمؤسسة ملتقى الشيعة الأسترالي